سيد محمد طنطاوي

146

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) * فهو من كلام اللَّه - تعالى - وقد ساقه - سبحانه - للرد عليهم . فيكون المعنى عليه : أن بعض اليهود قد قال لبعض : أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره لعل بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا ، ولا تعترفوا بفعلكم هذا إلا لأهل دينكم من اليهود حتى يبقى عملكم هذا سرا له أثره في بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم عن الإسلام . وهنا يأمر اللَّه - تعالى - نبيه محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالرد عليهم وبالكشف عن مكرهم فيقول : قل لهم يا محمد إن الهدى هدى اللَّه ، أي إن هداية اللَّه ملك له وحده فهو الذي يهدى من يشاء وهو الذي يضل من يشاء ، وقد هدانا - سبحانه - إلى الإسلام وارتضيناه دينا لنا ولن نرجع عنه . وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم : أمخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة : أو مخافة أن يحاججكم المسلمون عند ربكم يوم القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم كفرتم به ، أمخافة ذلك دبرتم ما دبرتم من هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثة ؟ لا شك أنه لم يحملكم على ذلك المنكر السيئ إلا الحسد لمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولقومه وزعمكم أنكم أفضل منهم لأنكم - كما تدعون - أبناء اللَّه وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد لأتباعه . قالوا : ويؤيد هذا الوجه من التفسير للآية قراءة ابن كثير « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم . . » . بهمزتين أولاهما للاستفهام الذي قصد به التوبيخ والإنكار ، والثانية هي همزة أن المصدرية . وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازي فقال ما ملخصه : « واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة . . . ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - * ( أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) * من كلام اللَّه - تعالى - فقد قرأ ابن كثير » آن يؤتى أحد . . . « بمد الألف على الاستفهام ، ويكون الاستفهام للتوبيخ كقوله - تعالى - أَنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ . إِذا تُتْلى عَلَيْه آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ . والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع تنكرون اتباعه ، ثم حذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير . يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه . وبعد كثرة إحسانه إليه : أمن قلة إحسانى إليك ؟ . والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت » « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل مزاعمهم ويفضحهم على

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 102 .